ابراهيم بن محمد البيهقي
384
المحاسن والمساوئ
وأبى أن يفعل ، فخوّفناه تلف نفسه وناشدناه حتى فعل ، فأخذ بيده بعض من حضر وأخذت بيده الأخرى ثمّ جررناه على البارية فإذا عليها صورته من لحم ظهره . فقال : لا بدّ لي من أن أعيده . فأعاده . ثمّ اختلف إليه ، فبينا هو ينظر إليه يوما إذ خرّ ساجدا فقلت : ما لك ؟ قال : برأ أبو العبّاس بإذن اللّه . فدنوت فأراني في ظهره لحما ناتئا كهيئة الدعاميص « 1 » الحمر ثمّ قال : أتحفظ قولي إنّه أثر خمسين سوطا ؟ لو ضرب ألف سوط ما كان أثرها بأشدّ من ذلك ، ولكني قلت ما قلت لتقوى نفسه فيعينني على علاجه . وخرج . وسألني الفضل أن ألقى بعض إخوانه وأعلمه أنّه يحتاج إلى عشرة آلاف درهم . فأتيت بعض إخوانه وأعلمته أنّه يحتاج إلى عشرة آلاف درهم . فسألني أن أحملها إليه وأمرني بدفعها إلى الرجل الذي عالجه . فلمّا مضيت بها إليه وجدته غائبا عن منزله ورأيت بابه مغلقا فملت إلى مسجد هناك منتظرا له حتى عاد فقمت إليه ودخلت منزله فإذا بيت فيه حصيران ومسورتان وطنبور وثلاث دساتيج وقنانيّ وأقداح . فقال : ما حاجتك ؟ فأقبلت أعتذر إليه وأذكر حاله ثمّ أعلمته ما وجّهني له . فنخر نخرة حتى أفزعني ثمّ قال : عشرة آلاف ! فجهدت الجهد كلّه به أن يقبلها فأبى ، فعدت إلى الفضل فأعلمته . فقال : إنّه استقلّها واللّه ! قلت : لا أظنّ . قال : بلى وإلّا فما معنى قوله عشرة آلاف درهم ! ولكن تعود إلى صاحبنا وتسأله عشرة آلاف أخرى وتحملها إليه . فحملتها إلى الرجل فنخر نخرة أشدّ من نخرته الأولى ثمّ قال : أنا أعالج فتى من الأبناء بكراء ، أنا طبيب ! واللّه واللّه لو كانت عشرة آلاف دينار ما قبلتها . فخرجت من عنده وسألت عن معيشته فقيل : له برج يصعد إليه في كلّ يوم فيبيع فراخه وصيده ويعتكف على ما تراه . فرجعت إلى الفضل وأخبرته فتعجّب ثمّ قال : أخبرني بأعجب ما رأيته منّا وأحسنه . فاندفعت أحدّثه . فلمّا رأى إطنابي قال : باللّه أيّنا أحسن أفعالا نحن أم هذا الفتى ؟ فإذا هو يستقبح أفعالهم مع فعله ويستصغرها . قال : ودخل ابن الزيّات على الأفشين وهو محبوس مكبّل بالحديد فقال : اصبر لها صبر أقوام نفوسهم * لا تستريح إلى عقل ولا قود فقال الأفشين : من صحب الزمان رأى الكرامة والهوان . ثمّ قال : لم ينج من خيرها أو شرّها أحد * فاذكر شآبيبها إن كنت من أحد خاضت بك المنية الحمقاء غمرتها * فتلك أمواجها ترميك بالزّبد
--> ( 1 ) الدعاميص : جمع الدعموص وهو دويبة صغيرة تكون في مستنقع الماء .